اسماعيل بن محمد القونوي
328
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
معناه سل أمما من أرسلنا وهم أهل الكتابين التورية والإنجيل انتهى فكيف يكون الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد في السؤال عن تلك الأمم وعن النظر في الكتابين فليتأمل . قوله : ( والدلالة على أنه ليس ببدع ابتدعه فيكذب ويعادي له فإنه كان أقوى ما حملهم على التكذيب والمخالفة ) والدلالة على أنه أي الدعوة إلى التوحيد والزجر عن عبادة الأوثان ليس ببدع ابتدعه اخترعه عليه السّلام من تلقاء نفسه كقوله تعالى : قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 9 ] الآية قوله فيكذب بالنصب جواب النفي ويعادي له عطف عليه قوله فإنه التوحيد والدعوة إليه والضمير في ما حملهم راجع إلى المشركين والمخالفة فإذا لم يكن الرسول عليه السّلام بدعا من الرسل فلا وجه للعداوة والتكذيب فقولهم إنه مخترع ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين بناء على التعصب يندفع بالسؤال عن أهل الكتابين ولذا قال المصنف في تفسير اجعلنا الآية هل حكمنا بعبادة الأوثان وهل جاءت قط في ملة من الملل . قوله تعالى : [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 46 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 46 ) قوله : ( يريد باقتصاصه تسلية الرسول صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ومناقضة قولهم لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) ومناقضة قولهم أي إبطاله لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ [ الزخرف : 31 ] الآية لأن موسى عليه السّلام مع عدم ماله وجاهه كان له مع فرعون وهو ذو مال عظيم وجاه جسيم ما كان من الدعوة إلى التوحيد وغيرها وقد أيده اللّه بالوحي والمعجزات الباهرة فبطل قولهم . قوله : ( والاستشهاد بدعوة موسى عليه السّلام إلى التوحيد ) على التوحيد بعد الاستشهاد بإجماع الأنبياء لأن قصة موسى مشهورة عندهم . قوله تعالى : [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 47 ] فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ ( 47 ) قوله : ( فاجأوا وقت ضحكهم منها ) أشار إلى أن إذا للمفاجأة وعامل إذا مقدر وهو قوله : فإنه كان أقوى ما حملهم على التكذيب أي فإن التوحيد أقوى ما حملهم على تكذيب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وجه كونه أقوى أنهم أهل اشراك يعادون أهل التوحيد ويخالفونه لتضاد ومخالفة بينهما في الدين . قوله : ومناقضة قولهم لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] وجه المناقضة أن من أسلافهم فرعون وقومه استحقروا موسى حيث قال : أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ [ الزخرف : 52 ] ومع ذلك منحه اللّه تعالى النبوة والرسالة ودعاهم إلى الحق فأبوا فأهلكهم اللّه فقد ظهر لهم من ذلك أن العظيم من هو عظيم بالفضائل القدسية لا من عظم بالمال والجاه فقول هؤلاء الكفرة لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ مع علمهم حال فرعون مع موسى وغلبته عليهم مع استحقارهم له قول ساقط واحتجاج فاسد .